
ترجمة: مروان حمدان *
ولدت الشاعرة والروائية البريطانية لافينيا غرينلو في لندن في عام 1962. درست الفنون الحديثة في جامعة كينغستون بوليتيكنيك، ودرست النشر في كليّة لندن للطباعة، وحصلت على درجة الماجستير في تاريخ الفنّ من معهد كورتولد. عملت محرّرة في الكليّة الإمبراطورية للعلوم والتقنية في لندن، وفي دار نشر "أليسون آند باسبي".
كانت غرينلو مديرة فنون في مركز "ساوث بانك" وفي مجلس فنون لندن، قبل أن تصبح كاتبة مستقلة وكاتبة مراجعات ومذيعة في عام 1994. كما كانت كاتبةً مقيمة في متحف العلوم، وقارئة مقيمة في قاعة المهرجانات الملكية بلندن، وشاعرة مقيمة في شركة للمحامين في لندن أيضاً. تساهم بانتظام بكتاباتها ومراجعاتها في الصحف والمجلات مثل ملحق التايمز الأدبي و"النيو ستايتسمان"، وقد تم بث أعمالها عبر إذاعة وتلفزيون "بي بي سي".
كانت غرينلو زميلة كتابة للمجلس البريطاني في كليّة أمهيرست، ماسوشوستس في عام 1995، وفازت بجائزة مجلس الفنون للكتّاب في عام 1995، كما حصلت على منحة وينغيت في عام 1997 وزمالة ثلاث سنوات من مؤسسة "ناشونال إندومنت" للعلوم والتقنية والفنون في عام 2000. وقد فازت بجائزة إيريك جريجوري في عام 1990.
يتضمّن شعرها المنشور مجموعة "صورة ليلية" (1993)، التي ظهرت على القائمة المصغّرة لجائزة وايتبريد للشعر وعلى القائمة المصغّرة لجائزة فوروارد الشعرية (كأفضل مجموعة شعرية للعام)، ومجموعة "عالم تنتقل فيه الأخبار ببطء" (1997). وقد فازت القصيدة التي أخذت المجموعة عنوانها منها بجائزة فوروارد الشعرية (جائزة أفضل قصيدة). كتابها "أفكار بحر ليلي" (2003)، هو تعاون مع المصوّر التجريدي غاري فابيان ميللر، الذي أثارت صوره تأملات غرينلو في عالمه الخيالي. مجموعة غرينلو الثالثة "مينسك" صدرت عام 2003، وظهرت على القائمة المصغّرة للأعمال المرشّحة للفوز بجائزة تي إس إليوت.
صدرت رواية غرينلو الأولى "ماري جورج من اولنورثوفر" في عام 2001، وتقع أحداثها في إنجلترا في سبعينيات القرن العشرين. وقد فازت هذه الرواية بجائزة فرنسية رفيعة. أما كتابها الأحدث فقد حمل عنوان "عصر لا مبالي" وصدر هذا العام (2006)، وهو رواية تدور أحداثها في لندن في تسعينيات القرن الماضي.
إن غرينلو متأثرة بمعلمتها إليزابيث بيشوب، والدقة العلمية الباردة للعديد من قصائدها تقترب كثيراً من أسلوب بيشوب. وليس مدخلها هو العلمي فقط: فهي منجرفة نحو مواد البحث العلمية، أو على الأقل نحو قصص حياة الناس التي مسّها العلم. مجموعتها الأولى "صورة ليلية" تحتوي على العديد من القصائد التي تمثّل لهذا الجانب. في قصيدة "زوجة غاليليو" يقوم غاليليو، وبشكل بارد، بقياس طاغية "يلتهم ألسنة القبّرات من توسكانيا / والعسل من كريت"، بينما زوجته هي تجسيد لروح واقعية سحرية تسافر فترة خمس عشرة سنة حول العالم الغريب - دالماشيا، ناتوليا، بلاد فارس، تارتاريا، والصين، في محاولة منها لتحديد مكان حافة العالم من أجل غاليليو. وعندما تعود، كل ما تحصل عليه هو نفخة في عينها مقابل كل تعبها، بينما غاليليو: "كلّ ليلة يكون في الجامعة / مثبتاً وجود حافة العالم".
أما قصيدتها "براءة الراديوم" فتعرض ذكراً قاسياً آخر وأنثى مُسْتغلّة. كان الراديوم يُطلى على الساعات المشعة، والفتيات اللواتي كنّ يقمن بهذا العمل، كنّ يقمن بلعق الفرشاة من وقت لآخر. وبالنتيجة تعفنت أفكاكهم. في هذه القصيدة يتزوج سوتشوكي، مخترع فكرة الطلاء، من إحدى الفتيات؛ وعندما تصاب بالمرض "شخّص الكيميائي قيامها بالخيانة / أعلن براءة الراديوم، نوع من التألق / الذي لا يمكن أن يحمله جسد امرأة".
واحدة من بين القصائد العلمية الأكثر إدهاشاً، تستخدم المفارقة الساخرة أيضاً ضدّ الأفكار الساذجة للتقدم العلمي. إنها قصيدة "الرجل الذي صنعت ابتسامته تاريخاً طبياً". والرجل موضع السّؤال كان جدّها، الذي أصيب إصابة بالغة في الحرب العالمية الأولى، وكان من بين أوّل الأشخاص الذين خاضوا تجربة الجراحة التجميلية: أُعيد بناء شفته العليا بنسيجٍ مأخوذ من معدته. كانت العملية ناجحة لكن القصيدة تنتهي كما يلي:
"طبيب، عمره أربعة وثلاثون عاماً،"
مات بسبب مرض ذات الرئة الفيروسي،
لم يسمع بالمضادات الحيوية إلا مؤخراً"."
في قصائدها، غرينلو هي شاعرة حسّاسة تجاه تغييرات الطقس والأمزجة التي يستثيرها الطقس. مجموعتها الشعرية الثانية "عالم تنتقل فيه الأخبار ببطء" هي كتاب من القلق، ومن الرحلات مع شريك جديد، هو الليالي الدائخة ("المدينة تُخْبَزُ وتُنْفَخُ بطقس منفلت")، وهو الأيام التي تتم فيها مواجهة حيوان "المدرّع". "أدلة إلى قصر الحمراء" هي واحدة ضمن أكثر قصائدها تميّزاً، حيث تزاوج بين الشخصي وبين قطع من تاريخ قصر الحمراء جمعتها من كتب الأدلة السياحية ("حيث كانت النافورة الصدئة دليلاً / على جريمة قتل الفرسان")، تحتوي هذه القصيدة أيضاً على سطر يمكن أن يكون شعاراً شخصياً: "الأشياء تتغيّر، تُصبحُ بيتاً وعلينا أن نغادرها".
تقول غرينلو في أحد الحوارات التي أجريت معها أن احتمالية القصيدة "يصاحبها بالنسبة لي إحساس مادي. إنه شعور بالقدرة والتركيز والحدّة والسرعة - لهذا الوقت القصير، أستطيع أن أجعل الصحون تدور بسرعة، أو أن أضع الكرات في الهواء وأبقيها هناك. عادة، يحدث هذا عندما يكون من المستحيل الجلوس للكتابة، كما لو أنّ الأمر عبارة عن عجلة لا تتحرك إلا عندما تتحرك العجلات الأخرى جميعها".
وتضيف غرينلو في سياق حديثها عن ولادة القصيدة لديها، بدءاً من الفكرة ووصولاً إلى النص النهائي: "يعتقد زوجي أنني غير عادية بمعنى أنني أفكّر أولاً بالأفكار وبعد ذلك أبحث عن كلمات لها. هذا حقيقي في الغالب. إن فكرة القصيدة قد تصل في شكلها الكامل إلى رأسي، لكنّني أكافح في سبيل التعبير عنها، حتى لنفسي. يشبه الأمر علم الجيولوجيا: عملية زحزحات تدريجية وغير مُدركة؛ شيء يتخذ شكلاً له بطريقة مؤلمة وثقيلة، ثم يصبح موجوداً".
وتتابع غرينلو: "بعض الأفكار التي أبدأ بها تحتاج إلى أن تقيم صلات بينها قبل أن تصبح ممكنة أو حتى مثيرة كقصائد. عندما كنت أعمل في متحف العلوم، أردت الكتابة عن عادة الجمع الشرهة عند "هنري ويلكوم". ما حاولتُه كان جافاً جداً حتى صادفت صورة قبو مكتظ بالمصنوعات اليدوية في كتاب ضمن سلسلة مغامرات "تان تان" هو "كنز راكهام الأحمر" وحصرتُ القصيدة في غرفة واحدة. ذات مرة، أردت الكتابة عن عاصفة ثلجية، لكنني أثقلت نفسي بالأوصاف حدّ الملل. وبينما جلست أقرأ في هذا البيت المحاصر بالثلوج على نهر ديلاوير، ربط المنظر الطبيعي نفسه بالكتاب الذي بين يديّ - قصائد آنا أخماتوفا، التي كان لديها عصرها الجليدي الخاص بها (وقصيدتها الجليدية التي كتبتها لماندلستام). أصبحت هي الموضوع، وليس الطقس، موصوفة من خلال تفاصيل ووضوح وانعكاسات الثلج".
وتقول غرينلو: "من حينٍ لآخر، تشعلني كلمة. يمكن أن تظل العبارات ساكنة لسنوات وبعد ذلك تصبح حيّةً، مرةً أخرى من خلال ارتباط عابر. كلمة واحدة يمكنها أن تصنع قصيدة كاملة. كلمة ("Tryst = "الموعد")، بجذورها في (Trust = "الثقة") و(Triste = "الصدى")، تربط بين عواطف متعارضة؛ كلمة (Cadastre = "سجل الأراضي")، كونها كلمة قديمة وملغاة، حددت أجواء العصور المظلمة الإقطاعية في قصيدة حول المحاسبة المحلية والعرض العامّ للسلطة. ما عدا ذلك، أستعملُ دفتر ملاحظات وأشطب منه الكثير من الكلمات. لا أستطيع التأليف على الشاشة أو في رأسي، إنما فقط والقلم في يدي. إن وضع قصيدة على الكمبيوتر يخلق مسافة مفيدة، لكنه أيضاً يمكن أن يقنعني بأن القصيدة انتهت فقط لأنها تبدو كذلك"."
(مصدر الترجمة: موقع الكتّاب المعاصرين)
* كاتب ومترجم أردني (marwan_hamdan70@yahoo.com)
(نُشرت في صحيفة الرأي الأردنية: 17 – 11 – 2006)
كتبها مروان حمدان في 10:02 صباحاً ::
الاسم: مروان حمدان 